لماذا تفشل في تعلم البرمجة رغم كثرة الدورات؟
عالم البرمجة

شاب يخطط على ورقة قبل كتابة الكود أمام الحاسوب
الصدمة الواعية
أنت لا تعاني من نقص الشروحات بل من تخمة الشروحات المتاحة في كل زاوية من زوايا الشبكة العنكبوتية.
يمكنك في ليلة واحدة أن تشاهد عشرات المقاطع المرئية وتقرأ عشرات المقالات العميقة عن البرمجة
ومع ذلك تستيقظ في اليوم التالي بالعقل نفسه دون تغيير حقيقي.
تفتح درسا جديدا وتشعر بحماس بدايات قوية يلمع في صدرك كشرارة أولى ثم ينطفئ هذا الحماس ببطء
مع أول سطر كود لا تفهمه أو لا تستوعب منطقه.
أنت في الحقيقة لا تخاف من اللغة البرمجية نفسها كقواعد وكتابة بل تخاف من تلك اللحظة القاسية
التي تنكشف فيها حقيقة أنك لا تفهم ما تفعله فعليا.
تحاول تعويض هذا الخوف الوجودي بجمع الدورات التدريبية واحدة فوق أخرى كمن يجمع الكتب القيمة على رف واحد دون أن يفتحها بجدية أو يتدبر محتواها.
تقول لنفسك بوعود كاذبة عندما أنهي هذه الدورة سأفهم كل شيء وعندما تنهيها تكتشف بمرارة
أنك تحتاج دورة ثانية وثالثة ورابعة في حلقة مفرغة.
تمر الشهور الطويلة وأنت تعرف أسماء لغات عديدة وقشور تقنية متنوعة ولم تكتب مشروعا واحدا يكمل أسبوعا من حياتك العملية.
تتصفح أعمال المبرمجين المحترفين فيشعر قلبك بوخزة غيرة ممزوجة بالإعجاب الشديد ويهمس صوت داخلك متسائلا لماذا هم وليس أنا برغم ذكائي.
أنت لا ينقصك الذكاء الفطري ولا القدرة على التعلم بل ينقصك شيء أخطر لا يعلمه أغلب المبتدئين
وهو امتلاك عقلية مبرمج قبل أن تمسك لوحة المفاتيح.
من دون هذه العقلية الصلبة يتحول الكود أمام عينيك إلى رموز غريبة تحفظها صما كما يحفظ الطالب قصيدة قديمة لا يفهم معناها ولا مغزاها.
إن الصدمة الحقيقية تكمن في إدراك أن البرمجة هي فن حل المشكلات وليست مجرد كتابة أوامر برمجية منمقة في محرر النصوص.
الهروب من مواجهة الجهل المؤقت هو ما يجعلك حبيس الفيديوهات التعليمية التي تمنحك شعورا زائفا بالإنجاز بينما عقلك في حالة جمود تام.
الاستهلاك المستمر للمحتوى دون إنتاج حقيقي هو فخ نفسي يقع فيه الآلاف ممن يظنون أن المعرفة هي القوة بينما القوة الحقيقية في التطبيق المتعثر.
عليك أن تدرك أن الشعور بالضياع في البداية هو جزء أصيل من العملية التعليمية وليس دليلا على عدم أهليتك لهذا المجال الصعب.
تعميق الصراع
ربما تعيش اليوم هذا الصراع النفسي بشكل يومي مجهد يستنزف طاقتك العقلية والروحية بصمت.
تدخل إلى منصة تعليمية عالمية ترى مسار تعلم بلغة معينة تشعر لوهلة أن هذه فرصتك الكبرى والوحيدة لتغيير حياتك المهنية.
تبدأ بترتيب دفترك الخاص تكتب عنوان المسار بخط عريض وترقم الدروس بدقة وتجهز نفسك لفتح صفحة جديدة في سجل إنجازاتك.
في أول الأسبوع تتحمس كثيرا وتلتزم بالدروس اليومية وتشعر أنك أخيرا وضعت قدمك على الطريق الصحيح الذي سيقودك للقمة.
ثم يحدث ما يحدث دائما من تداخلات الحياة المقلقة ضغوط عائلية أو عمل إضافي أو دراسة مملة
أو حتى ملل مفاجئ يضرب عزيمتك.
تتوقف يوما ثم يومين ثم ثلاثة أيام فتجد أن الفجوة قد اتسعت وأن العودة أصبحت ثقيلة جدا على نفسك المتعبة.
بعدها تشعر بالخجل الشديد من العودة للمسار القديم فتختار مسارا آخر ببريق جديد تبدأه من الصفر
كأن المشكلة كانت في المسار السابق لا في طريقتك.
في كل مرة تفتح فيها محرر الكود تشعر بانقباض بسيط في صدرك لأنك تخاف من الخطأ ومن مواجهة عجزك أمام الشاشة السوداء.
تخاف من ظهور رسالة خطأ حمراء صارخة كأنها شهادة فشل شخصية مختومة على جبينك أمام ذاتك قبل الآخرين.
تسأل نفسك في لحظات الضعف هل أنا مناسب فعلا لعالم البرمجة المليء بالتعقيد أم أن هذه المهنة تحتاج عقولا عبقرية مختلفة عن عقلي المتواضع.
تراقب نفسك وأنت تقف أمام مشكلة برمجية صغيرة فتجد أنك تهرب تلقائيا إلى المقاطع القصيرة
أو المحادثات الجانبية لتخفيف وطأة القلق الداخلي.
تقول في داخلك بيأس خفي أنا أحب البرمجة لكنها صعبة للغاية مع أنك لم تعط عقلك فرصة حقيقية واحدة ليتعلم طريقة التفكير المطلوبة.
تشعر أنك عالق بين صورتين متناقضتين تماما في خيالك المتعب والمشتت بين طموحك وواقعك الحالي.
صورة المبرمج الأسطورية التي تحملها في خيالك لشخص يكتب أوامر غامضة بسرعة وثقة مفرطة ويحل المشكلات ببساطة مذهلة وسهولة تامة.
وصورتك أنت البائسة أمام الشاشة متردد تتوقف كل دقيقة لتسأل محرك البحث عن معنى سطر برمجى بسيط جدا لا يكاد يذكر.
هذا التناقض الصارخ يولد شعورا مؤلما بالدونية العميقة وبأنك تزيف اهتمامك وشغفك بالتقنية أمام نفسك وأمام الناس من حولك.
السبب الحقيقي
لو نظرت بعمق وتجرد ستجد أن المشكلة الحقيقية ليست في عدم فهم تركيب الجملة البرمجية أو قواعد اللغة التقنية الجافة.
فاللغات البرمجية في نهاية المطاف هي لغات محدودة القواعد والقواميس مقارنة بلغة الإنسان الطبيعية التي نتحدث بها بطلاقة وسهولة.
السبب الحقيقي خلف تعثرك هو أنك تحاول تعلم لغة تقنية قبل أن تتعلم طريقة تفكير أهلها ومنطقهم الخاص في معالجة الأمور.
البرمجة ليست مجرد كلمات وأوامر ترص بجانب بعضها بل هي أسلوب تفكير منظم يعتمد على المنطق الصارم والتحليل الدقيق.
المبرمج الحقيقي لا يبدأ أبدا من كتابة الكود بل يبدأ من السؤال الجوهري ما هي المشكلة الحقيقية
التي أحاول حلها الآن وبأقل جهد.
اقرأ ايضا: السبب الخفي الذي يجعلك تتوقف قبل أن تصبح مبرمجًا
ثم يمسك هذه المشكلة من عنقها ويفككها ببراعة إلى أجزاء صغيرة جدا حتى تصبح كل قطعة منها قابلة للسيطرة والفهم والحل المنفرد.
أنت على العكس تماما تبدأ من الكود نفسه تبحث بلهفة كيف أكتب هذا الأمر في هذه اللغة قبل أن تحدد ماذا ستفعل به فعلا.
هذا التوجه يشبه تماما من يحفظ عبارات بلغة أجنبية دون أن يعرف كيف يبني جملة واحدة جديدة بنفسه عند الحاجة إليها.
كلما واجه موقفا جديدا أو تحديا بسيطا يصمت تماما لأنه لا يملك قالبا جاهزا يحفظه مسبقا في ذاكرته المحدودة بالنماذج الجاهزة.
العقلية التي تمنعك من التقدم هي عقلية الطالب التقليدي الذي ينتظر دائما أن يشرح له كل شيء خطوة بخطوة دون مبادرة ذاتية.
بينما عقلية المبرمج الأصيلة تقوم أساسا على تولي زمام السؤال بنفسه والبحث المستمر والاختبار المتواصل والتجريب الذي لا ينتهي أبدا.
الخوف من الخطأ يلعب هنا دورا خطيرا ومعطلا لكل قدراتك الإبداعية والتحليلية التي وهبها الله
لك في عقلك البشري الفريد.
أنت تربيت للأسف في بيئات ترى الخطأ عيبا كبيرا أو نقصا لا مرحلة طبيعية وضرورية في طريق التعلم والنمو الحقيقي.
لذلك عندما ترى رسالة خطأ تقنية تشعر أن هناك شيئا معطوبا في تكوينك أنت لا في مجرد سطر كود كتبته بالخطأ.
في عالم البرمجة الرحب رسالة الخطأ هي دليل حياة ونبض وهي تقول لك بوضوح هنا توجد نقطة تحتاج منك إلى فهم أعمق وتركيز أكبر.
غياب هذه الرؤية التصحيحية يجعل عقلك يربط البرمجة دائما بمشاعر القلق والتوتر والهروب بدلا من ربطها بمتعة الاستكشاف واللعب الذهني الراقي.
هناك سبب آخر عميق يتمثل في تعاملك مع البرمجة كمعلومة نظرية يمكن جمعها وحفظها بينما حقيقتها أنها مهارة عملية لا تترسخ إلا بالتكرار.
هذا مثل من يحفظ أسماء التمارين الرياضية المعقدة دون أن يحرك عضلة واحدة من جسده ثم يتساءل بتعجب لماذا لا يتغير مظهر جسدي وقوته.
زاوية غير متوقعة
الفكرة المنتشرة والخاطئة أنك لكي تصبح مبرمجا ناجحا يجب أن تبدأ بدراسة لغة محددة تختارها بعناية فائقة وتكرس لها حياتك.
وكأن اللغة بحد ذاتها هي الجوهر والهدف الأسمى بينما هي في الحقيقة مجرد أداة للتعبير عن فكرة
أو حل لمشكلة قائمة.
لكن الزاوية غير المتوقعة التي يجب أن تدركها هي أن اختيار اللغة في البداية هو مسألة ثانوية جدا ولا تؤثر على عبقريتك البرمجية.
المهم حقا هو أن تبني داخل عقلك جهازا خفيا ومنظما يحول أي مشكلة تواجهك مهما كانت إلى خطوات منطقية متتابعة وسهلة.
هذا الجهاز الذهني لا يهمه إن كانت الكلمات المحيطة به عربية أو أعجمية أو برمجية ما يهمه هو البنية المنطقية السليمة.
كثيرون يتعاملون مع البرمجة كشيء منفصل تماما عن حياتهم اليومية كعالم خاص له قوانينه الغريبة والمعزولة عن الواقع البشري المعاش.
بينما الحقيقة البسيطة أن البرمجة ليست سوى تعبير صارم ودقيق عن منطق موجود أصلا في تفاصيل حياتنا العادية والبسيطة جدا.
أنت عندما تخطط لرحلة عائلية أو لمذاكرة مادة صعبة أو حتى لمشروع منزلي صغير تمارس شكلا بدائيا من البرمجة دون أن تدري.
تقسم الوقت المتاح وتحدد المدخلات المطلوبة من أغراض أو كتب أو موارد مالية وتضع الخطوات التنفيذية بدقة وتراقب النتائج وتعدل الخطة.
العقلية البرمجية موجودة فيك منذ زمن بعيد لكنك لم تضع لها اسما تقنيا ولم تدربها بوعي وإصرار لتكون أداة احترافية في يدك.
الزاوية التي تغير كل شيء هي أن تدرك أنك لست خارج عالم البرمجة تنتظر دعوة للدخول بل أنت في قلبه منذ ولادتك.
أنت تمارس نماذج مصغرة منه في كل قراراتك اليومية والفرق الوحيد بينك وبين المبرمج المحترف
هو التنظيم الواعي لهذه العمليات الذهنية.
المبرمج قرر أن يرفع هذا النمط العفوي من التفكير إلى مستوى واع ومنظم ومتكرر ليخاطب به الآلات
بدلا من البشر المحيطين به.
عندها فقط تتحول البرمجة من جبل ضخم تخاف تسلقه إلى طريق مألوف يمكنك السير فيه خطوة بخطوة لأنك رأيت فيه ملامح تعرفها.
إن إدراك هذا الترابط بين المنطق الحياتي والمنطق البرمجي يكسر حاجز الرهبة ويجعلك تنظر للكود كصديق يعبر عما يدور في عقلك فعليا.
ماذا يحدث لو استمر الوضع
لو واصلت النظر إلى البرمجة على أنها مجموعة مصادر متراكمة ولغات متنافسة ومسارات متضاربة ستبقى واقفا للأبد عند بوابة هذا العالم.
ستظل تقفز من دورة إلى أخرى ومن لغة إلى أخرى بحثا عن المفتاح السحري الذي لا وجود له إلا في خيال المترددين.
سيتشكل في داخلك مع الوقت شعور مؤلم أن البرمجة ليست لك وأنك مهما حاولت فلن تصل أبدا إلى مستوى المحترفين المبدعين.
ستبدأ في تفسير هذا العجز الوهمي بأسباب ثابتة وغير قابلة للتغيير مثل أنا لا أفهم الرياضيات المعقدة
أو أنا كبير في السن.
هذه العبارات السلبية تتحول بمرور الوقت إلى قناعة راسخة تغلق أمامك أبوابا كثيرة في مجالات الحياة المختلفة التي تحتاج لنفس العقلية التحليلية.
الخطير في الأمر أنك قد تنقل هذه النظرة الانهزامية لأشخاص حولك يثقون برأيك فتزرع فيهم بذور اليأس والقعود دون أن تقصد ذلك بوعي.
على المدى البعيد يتحول هذا التردد المزمن إلى أسلوب حياة تعتاد فيه أن تبدأ أشياء كثيرة بحماس مفرط
ولا تكمل أي واحدة منها.
تعتاد أن تبقى في منطقة الاستعداد الأبدي والمثالي ولا تنتقل أبدا لمنطقة الفعل الحقيقي الذي يشوبه الخطأ والتجربة والتعلم من العثرات.
هذا النزيف الصامت للوقت والعمر لا يظهر أثره في يوم أو شهر لكنه يراكم داخلك إحساسا مزمنا بأنك شخص لا ينهي ما بدأه.
وهذا الشعور السلبي ينعكس بالضرورة على عبادتك وعلى عملك وعلى علاقاتك الاجتماعية لأنك تفقد تدريجيا ثقتك في قدرتك على الالتزام بالمسارات.
في النهاية قد تتخلى عن حلم البرمجة الجميل لا لأنه غير مناسب لقدراتك بل لأنك عجزت ببساطة عن بناء العقلية المنظمة التي يحتاجها.
إن الاستمرار في هذا التيه المعرفي دون بوصلة عقلية واضحة سيجعل من البرمجة ذكرى سيئة في حياتك تذكرك دائما بالفشل والانسحاب المهين.
التحول
التحول الحقيقي في مسيرتك لا يبدأ حين تتقن لغة برمجية معينة بل حين تغير سؤال البداية نفسه وتنظر للأمور من منظور مختلف.
بدل أن تسأل بلهفة أي لغة أتعلم أولا اسأل بذكاء كيف أفكر كالمبرمجين في كل شؤون حياتي أولا وقبل أي خطوة تقنية.
هذا التحول يعني أنك لم تعد ترى البرمجة مجرد مهارة مهنية تدر دخلا بل تراها طريقة حياة شاملة للتعامل مع العالم المحيط.
تبدأ في ملاحظة أن كل موقف يواجهك يمكن أن ينظر إليه بعين المبرمج الفاحصة التي تبحث عن الأنماط والتكرار والحلول المنطقية الممكنة.
عندما ترى طابورا طويلا ومملا أمام شباك خدمة يمكنك أن تسأل نفسك بفضول كيف يمكن إعادة تنظيم هذا الطابور كخوارزمية برمجية فعالة.
عندما تقرأ قصة مشوقة يمكنك أن تلاحظ فيها تسلسل الأحداث والشروط التي أدت للنتائج والروابط الخفية بين الشخصيات والمواقف في القصة.
تبدأ تدريجيا في رؤية الهياكل الداخلية العميقة للأشياء بعد أن كنت ترى سطحها الخارجي فقط دون إدراك لآليات العمل والقوانين التي تحكمها.
هذا التحول الذهني يجعل دخولك لعالم الكود لاحقا أمرا طبيعيا وسلسا وليس قفزة مرعبة في مجهول تقني لا تعرف عنه شيئا مسبقا.
لأن عقلك اعتاد بالفعل أن يسأل السؤال الصحيح دائما ماذا يحدث أولا ثم ماذا بعده وما هي الحالات الممكنة وكيف أتعرف عليها.
تحريرك من الخوف المرضي من الخطأ هو جزء حاسم من هذا التحول النفسي والفكري الذي يجعلك تتقبل العثرات كدروس مجانية في الطريق.
فأنت تدرك بعمق أن كل سطر كود خاطئ هو في الحقيقة درجة جديدة في سلم الفهم العميق والتمكن الحقيقي من المهارة المطلوبة.
تتوقف نهائيا عن مقارنة نفسك بمن قطعوا سنوات طويلة في هذا الطريق الوعر وتقارن نفسك فقط
بما كنت عليه قبل أسبوع واحد.
التحول يعني أيضا أنك لا تسعى لإثبات ذكائك لأحد من البشر بل تبني عقلك لأنك ترى في هذا البناء عبادة لله وشكرا.
حين يصل الإنسان لهذه النقطة من الصفاء الذهني يصبح التعلم أكثر هدوءا وعمقا وأقل توترا واستعجالا للنتائج المادية السريعة التي قد تتأخر.
في نهاية المطاف: إذا كانت كل هذه العقلية المنظمة يمكن بناؤها بوعي وإصرار قبل أن تكتب أول سطر كود فربما السؤال الذي يستحق أن يبقى معلقا في ذهنك الآن ليس متى تبدأ تعلم لغة البرمجة
بل ما الشكل الجديد والمبهر الذي ستأخذه حياتك كلها عندما يصبح عقلك نفسه خوارزمية هادئة قادرة على ترتيب فوضى مشاكلك قبل أن ترتب أكواد برامجك،